الآلوسي
16
تفسير الآلوسي
يحجزه علمه عن كل ما يبيحه العلم الظاهر ، وهذا هو المؤيد عقله بأنوار العلم اللدني * ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) * ذكر أن حقيقة الصلاة حضور القلب بنعت الذكر والمراقبة بنعت الفكر فالذكر في الصلاة يطرد الغفلة التي هي الفحشاء والفكر يطرد الخواطر المذمومة وهي المنكر ، هذا في الصلاة وبعدها تنهى هي إذا كانت صلاة حقيقية وهي التي انكشف فيها لصاحبها جمال الجبروت وجلال الملكوت وقرت عيناه بمشاهدة أنوار الحق جل وعلا عن رؤية الأعمال والأعواض ، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه : الصلاة إذا كانت مقبولة تنهى عن مطالعات الأعمال والأعواض * ( ولذكر الله أكبر ) * ( العنكبوت : 45 ) قال ابن عطاء : أي ذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم له سبحانه لأن ذكره تعالى بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني والسؤال ، وأيضاً ذكره تعالى صفته وذكركم صفتكم ولا نسبة بين صفة الخالق جل شأنه وبين صفة المخلوق وأين التراب من رب الأرباب * ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) * ( العنكبوت : 49 ) فيه إشارة إلى أن عرائس حقائق القرآن لا تنكشف إلا لأرواح المقربين من العارفين والعلماء الربانيين لأنها أماكن أسرار الصفات وأوعية لطائف كشوف الذات ، قال الصادق على آبائه وعليه السلام : لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون * ( يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ) * ( العنكبوت : 56 ) قال سهل : إذا عمل بالمعاصي والبدع في أرض فأخرجوا منها إلى أرض المطيعين ، وكأن هذا لئلا تنعكس ظلمة معاصي العاصين على قلوب الطائعين فيكسلوا عن الطاعة ، وذكروا أن سفر المريد سبب للتخلية والتحلية ، وإليه الإشارة بما أخرجه الطبراني والقضاعي ، والشيرازي في الألقاب ، والخطيب ، وابن النجار ، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سافروا تصحوا وتغنموا كل نفس ذائقة الموت فلا يمنعنكم خوف الموت من السفر * ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ) * ( العنكبوت : 60 ) فلا يمنعنكم عنه فقد الزاد أو العجز عن حمله * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) * قال ابن عطاء : أي الذين جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى محل الرضا ، والمجاهدة كما قال : الافتقار إلى الله تعالى بالانقطاع عن كل ما سواه ، وقال بعضهم : أي الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف لنوصلن أسرارهم إلى اللطائف ، وقيل : أي الذين جاهدوا نفوسهم لأجلنا وطلبا لنا لنهدينهم سبل المعرفة بنا والوصول إلينا ، ومن عرف الله تعالى عرف كل شيء ومن وصل إليه هان عنده كل شيء ، كان عبد الله بن المبارك يقول : من اعتاصت عليه مسألة فليسأل أهل الثغور عنها لقوله تعالى : * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) * ( العنبكوت ؛ 69 ) وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر نسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ التام من كل شر بحرمة حبيبه سيد البشر صلى الله عليه وسلم . سورة الروم مكية كما روي عن ابن عباس . وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم بل قال ابن عطية . وغيره : لا خلاف في مكيتها ولم يستثنوا منها شيئاً ، وقال الحسن : هي مكية إلا قوله تعالى : * ( فسبحان الله حين تمسون ) * ( الروم : 17 ) الآية وهو خلاف مذهب الجمهور والتفسير المرضي كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه ، وآيها ستون وعند بعض تسع وخمسون ، ووجه اتصالها بالسورة السابقة على ما قاله الجلال السيوطي أنها ختمت بقوله تعالى : * ( والذين